يوم الجمعة مساءا ضربت رغيفين حواوشي بيتي. كنت قد قررت أن أكون في المحكمة غدا لأشهد يوما سوف يسجله التاريخ. يوم النطق بالحكم في قضية اثبات البهائية كديانة في البطاقة الشخصية. وكان هاجس الحواوشي يلح علي منذ فترة فقررت أن استجيب له لأن مين عارف بكره هيحصل ايه. كنت مشحونا بالتكهنات عن اليوم التالي. من سيكون حاضرا؟ هل سنجد من يتعامل معنا بعنف مرضاة لضميره الديني؟ من سيقف تضامنا معنا في استجابة لحملة نورا يونس والأخوان غربية؟
السابعة صباحا يوم السبت. استيقط من النوم بعد حلم ثقيل عن تأجيل الحكم وانتزاع أشخاص لأحجار الرصيف لإلقائها علينا. مش كنت تنام خفيف؟ جلست مع نفسي قليلا وقرأت العديد من الأدعية طلبا للطمأنينة. وجهزت نفسي وتوجهت الى المحكمة. كل ما حدث بعد ذلك استطيع استرجاعه في شكل مقاطع لا تترابط بشكل واضح في ذاكرتي.
نورا تتعارك مع الأمن في مجلس الدولة للدخول بلافتات تأييد للبهائيين وينتهي بها الأمر الى تركها خارج المبنى. اقترب منها في طريقها الى الداخل لأعرفها بنفسي واشكرها. أنا اتابع ما تكتبه نورا منذ فترة، بالذات منذ تغطيتها لحادث اللاجئين السودانيين. وكانت قد كتبت عن ذكرى ميلاد حضرة الباب مؤخرا وعلقت على ما كتبته. ولكن لم اتخيل ان نتقابل في يوم من الأيام بهذا الشكل.
شريف عبد العزيز انسان حيرني لفترة طويلة. عندما اقرأ مدونته بشكل غير متتابع لا أستطيع ان اصنفه. وأنا استسهل تصنيف الناس فذلك يفك تشفير مواقفهم لأن معظمهم يرى الدنيا بشكل أحادي. لكن شريف يحمل العديد من الأبعاد. لحظة اليوم الأولى، أو Moment of the Day عندما قدمت نفسي لشريف ووجدته يبتسم ابتسامة عريضة ويحتضنني بصدق متناه ولهفة لمواساة انسان يحاول الحصول على ابسط حقوقه. قال لي “أنا جيت لله” وفهمته وصدقته. كيف لإنسان لا يعرفني أن يحمل في قلبه هذا الإيمان بحقي وينقل لي هذا الاحساس الصادق؟ لدى ابن عبد العزيز الكثير لنتعلم منه. شريف حمل لافتة كتب عليها انه يؤمن ببطلان العقيدة البهائية ولكنه يؤمن بحق البهائيين في كتابة بهائي في البطاقة. تسببت له هذه اللافتة في مشاكل عديدة مع أشخاص غير مستعدة لفهم أي شيئ أو سماع أي شيئ.
صراخ وعويل وبكاء من أشخاص ملتحين بعد النطق بالحكم. وقفوا أمامنا في القاعة يرددون الهتافات. التغطية التليفزيونية تظهر أحدنا وقد بدأ يضحك من هزلية الموقف. ايه يا جماعة اللي حصل؟ فين العدو عشان يكون فيه انتصار؟ فين الخطر عشان يكون فيه نجاة؟ كيف أصبحت النقطة الفاصلة في حياتكم حرمان شخص من أن يكون مواطنا مصريا دون تمييز؟
استلقطوني بتوع دريم (منهم الشخص اللي شد مع شريف) عشان أقولهم “ايه انطباعك عن الحكم” وكان انطباعي الوحيد ان مصر خسرت كتير. لكن ازاي اترجم الكلام ده عشان الناس تفهمني؟ من حقي كمصري افتخر قدام العالم ان بلدي بتحترم حقوق المواطنين. من حقي اغير عليها من شبهة ظلم أو تعسف. وكنت محبط لأن محصلش ده. مكسوف أن رجال العدالة في مصر بيعملوا في مصر كده.
خارج القاعة كان الجميع منهمك في التصريحات. شعرت باختناق شديد. أنا لا يعنيني تصريحاتكم سواء سلبية أو ايجابية. سواء معي أو ضدي. أنا لا أعرف سببا واحدا لما يحدث لي. اختنقت أن لا أحد يشعر بوجودي أنا صاحب الموضوع الذين انطلقوا في مباراة للكلام عنه. يا الله. منعت الدموع من الانفلات من عيني وقررت أن انسجم مع الأحداث المتلاحقة التي تلهث من حولي.
بنتي الكبيرة ساعات بتستخدم كلمة “يانهار اسود”. مش عارف ليه باحس انها عيب جدا لما باسمعها هي بالذات بتقولها وباطلب منها ماتقولهاش تاني. عذرتها بصراحة وكنت عايز اكلمها واقول لها “قوليها يا حبيبتي براحتك” هي ومشتقاتها من “نهار مطين” و “نهار مدوحس” أو “يوم أسود ومهبب”. خرج علينا البيان الصحفي الخاص بالحكم. ده كان قمة الكوميديا المضحكة المبكية السوداء. البيان ينافس جريدة النبأ وهي في أوج صفارها وروزاليوسف وهي في قمة “كرم جبرها”. فلنستعرض بعض الدرر المدرجة في هذا البيان: “فهم يريدون للأمم والشعوب أن تسلم عنقها لجلاديها بدون أيه مقاومة… كلام شاعري معسول… علاقتهم بالقوى الاستعمارية التي تحتضنهم وتدافع عنهم… ادعوا الإلوهية…” أنا ممكن اقرا الكلام ده على منتدى “شباب العرب لأحدث البرامج والأغاني والفتاوى” يكون واد لسه دقنه منبته عايز يبان قدام صحابه انه حامي حمى الاسلام وفاهم في السياسة يقوم لاطع قص ولزق ويزود “منقووووووووول… انشره للفائدة”. معذور الولد مش لاقي حاجة يبدع فيها. لكن ده بيان صحفي صادر من رجال قانون مهمتهم الأساسية البحث عن الحقيقة. يقوم يستخدم اتهامات منهارة زي دي؟ وكمان بعيدة كل البعد عن موضوع الدعوى؟ والله مكسوفلكم. باقولها بكل الجدية اللي ربنا قدرني عليها بلا ذرة سخرية.
بلاد تشيلني وبلاد تحطني ما بين واحد بيقول “يقتلوا أو يصلبوا” وواحدة تقول “جراثيم” وواحد يقول “بص البهائيين عاملين ازاي؟ دول شكلهم غريب! مش مصريين” (كان بيشاور على مصور من وكالة انباء أجنبية). ده غير الجدع اللي شاور على نورا “بص عينيها زرقا ازاي. دول يهود… يهود”. والله الناس معذورة. هيعملوا ايه بس اذا كان اللي أكبر منهم بيقول “تسلم عنقها لجلاديها بدون أيه مقاومة” عايزين الغلبان اللي مستني حد ينصره بأي حاجة يفكر ازاي؟
خارج المبنى كانت لحظة اليوم الثانية… شباب مصري يحمل اللافتات تأييدا لحق البهائيين في تدوين دينه في الأوراق الرسمية. هذه المرة تركت دموعي تنهمر. سألني أحد اقربائي “انت زعلان عشان خسرنا؟” قلتله “أنا فرحان جدا عشان كسبنا ده” وشاورتله على اللافتات وحامليها.

الصور من مدونات شريف عبد العزيز ومختار العزيزي







Would you please send me an English translation of your post so that I can re-post it on my blog?
Thank you….