كنت في أحد مطاعم ماكدونالدز اليوم مع بناتي الصغار. وكان هناك كعادة كل يوم أجازة عيد ميلاد في المطعم. طالما شعرت بنفور تجاه أعياد الميلاد التي تقام هناك (أو أي مكان مشابه) فهي خالية من أي مشاعر حقيقية بالاحتفال بعيد ميلاد طفل. عندما أسلم أطفالي الى جرسونات المطعم ليقرروا ما سيلعبون وكيف سيحتفلون بعيد ميلادهم فإنني فقدت دوري كأب (أو أم) وأصبحت فقط ممول لعملية ترفيهية تمتص معنى هذا الاحتفال.
ولكن ما يدعو الى الهلع (وليس فقط القلق) هو ما يختاره هؤلاء العاملين بالمطعم من مواد ترفيهية يعتبرونها جميلة ومسلية للأطفال. لم يتحرك أحد اليوم سواء من أهل المدعوين أو أصحاب عيد الميلاد عندما رقص الأطفال على أغنية سعد الصغير وهو يقول “رقصني عالواحدة… مش هامشي ورا واحدة” وكأنه شيئ عادي أن يتعرض الأطفال لهذه السوقية.
لا أعتقد أن سلسلة مطاعم ماكدونالدز في أمريكا مثلا. وهي سلسلة تروج لنفسها أنها عائلية في المقام الأول. وأمريكا بلد كل ما يعرفه مجتمعنا عنه هو التساهل والتسيب في كل ما هو غير اخلاقي. لا أعتقد أن يجرؤ أي شخص هناك أن يضع جهاز تليفزيون يعرض محطة مماثلة لميلودي أو مزيكا. وإن حدث أن فقد أحدهم عقله وفعل ذلك فسيجد مائة قضية تعويض مرفوعة ضده من أهالي أطفال تعرضوا لمشاهدة مواد غير مناسبة لسنهم. بينما هنا في مجتمعنا المحافظ تنطلق هذه القنوات وتلعلع في نفس السلسلة التي لازالت تروج لنفسها أنها عائلية دون أن يتحرك أحد.
ثانية واحدة. عارف انت بتفكر في ايه… “ألا؟ هو كمان البهائيين فيهم ناس متطرفين ومقفلين؟” آسف ولكن اذا اعتبرت ان حماية الأطفال من التعرض في سن مبكر لما لا يستطيعون الحكم الأخلاقي تجاهه بشكل ناضج هو تقفيل أو تطرف فهذه مصيبة. واذا اعتقدت أن هذه المواد ليس فيها أي شيئ مشين للأطفال فالمصيبة أعظم. وأنا مؤمن تماما أن المصيبة الأعظم هي ما نعيشه الآن في مصر.
جرب تدخل حفلة منتصف الليل في أي سينما لفيلم اللمبي مثلا. ستجد أطفالا يمينك وشمالك وعلى حجرك وبياكلوا من الفشار بتاعك كمان. عادي جدا أن يسهر الأطفال الى بعد منتصف الليل. عادي جدا أن يشاهد الاطفال تعاطي الحشيش والضرب بالقفا والسب بالأب والأم والسخرية من شكل الآخرين والايحاءات الجنسية الفجة. ولا أجد أي أب أو أم يشعر بأدنى خجل من أنه أحضر ابنه الى هذا الفيلم. أصبحت كل الأفلام الآن مواد مناسبة للأطفال ولا أفهم ازاي؟ أنا هنا لا أناقش أن هذه الافلام سيئة ويجب عدم عرضها من أساسه. مثل هذه الأفلام تكون مسلية ومضحكة لشخص ناضج يستطيع التفرقة بين الخطأ والصواب ولن يتشكل لديه مثل أعلى يقلده في الشخصيات التي يراها. كل هذا غير متوفر لدى طفل صغير.
موضوع الأطفال يؤرقني لأنه مقياس شديد الخطورة على مفهوم قيم المجتمع. ولكنه ليس المقياس الوحيد بالتأكيد.
نظرة شاملة سريعة على مظاهر التدين في مجتمعنا. وحيث أن الأغلبية مسلمة فسوف يكون هذا هو المقياس مع عدم وجود أي تحيز مسبق أو نوايا خفية للتحقير من شأن الاسلام. تقريبا أكثر من ثلثي السيدات والبنات يرتدين الحجاب. وشعائر صلاة الجمعة تصيب معظم الشوارع بالشلل. ودروس الدين بعد صلاة التراويح في أي جامع كبير يحضرها الرجال والسيدات من جميع أنحاء المدن لتشعر في النهاية أن هذا المجتمع قد وصل الى قمة روحانياته. وهذه المظاهر ليست مظاهر سلبية أبدا. بل هي من المفروض أن تدل على توجه الأغلبية العظمى من مجتمعنا الى الدين وهو مؤشر ايجابي جدا.
ناقش العديد من الأشخاص مسألة أن الحجاب لا يعني بالضرورة التزام من ترتديه وأن زبيبة الصلاة لا تعني تقوى الشخص الذي يحملها على جبينه. ولكن أنا هنا لن أتحدث عن أشخاص. أنا سوف أتحدث عن الناتج الأخلاقي للمجتمع ككل. أي شخص ينكر أن الأخلاقيات المجملة لمجتمعنا تنحدر يوما بعد يوم إما كاذب أو جاهل. كل مظاهر الحياة حولنا من قبول الرشاوى كأمر عادي ومتوقع وجزء من أي معاملة مادية والبلطجة والعنف من أول قيادة السيارات الى الأكل في الأفراح. الكذب والتزوير أصبحا أمرا مألوفا. النميمة والسخرية وتحطيم الآخرين معنويا أصبحت كلها شطارة. الدروس الخصوصية والشهادات بدون علم أصبحت منتهى آمال الأهل لأولادهم. الى آخر قائمة طويلة من انعدام الاخلاقيات. كيف يهبط هذا المنحنى في حين أن منحنى مظاهر التدين يرتفع؟ هذا شيئ محير.
بالتأكيد اذا كانت هذه هي النتيجة المجملة لأخلاقيات المجتمع فإن هذا التدين ليس حقيقيا بالمرة. وأننا كلنا (ليس فقط المسلمين) نتظاهر بالتدين لأسباب قد تختلف من شخص الى آخر. اذا لم يكن ترجمة كل هذا التدين الظاهر الى ارتفاع في قيم وأخلاقيات المجتمع فليس له أي قيمة مطلقا ولنضعه جانبا كأنه لم يكن.
لقد قررت بعض المجتمعات ترك الدين جانبا ووضع قيم ومبادئ وأخلاقيات خاصة بها تتناسب مع ما ينشدونه من تحضر. وهذا أمر خطير أن أترك المصدر الرئيسي للأخلاقيات، وهو الدين. مهما كانت هذه القيم محترمة ومتحضرة ومتفقة مع الفطرة السليمة والعقل السليم الا أنها لازالت تفتقر الى قوة التأييد الالهي وقوة القيم الروحانية التي يعجز عن الاتيان بها البشر. ويصبح اعتراض الأهل هناك على تعرض اطفالهم لمظاهر غير مناسبة لسنهم هو أمر مدني أو قانوني أو تربوي أو حقوقي بغض النظر عن تأثيرة الروحاني السلبي على المجتمع ككل.
لو كل محجبة عملت ما يتفق مع ما ترتديه وكل شخص رفض أن تفعل يده المرشومة بالصليب ما منعه عنه دينه وكل مؤمن بأننا “أوراق غصن واحد” اتخذ من ايمانه منهجا لرأينا بالفعل اتساقا بين ما يظهره مجتمعنا وبين مجمل سلوكيات أفراده.

“لقد قررت بعض المجتمعات ترك الدين جانبا ووضع قيم ومبادئ وأخلاقيات خاصة بها تتناسب مع ما ينشدونه من تحضر. وهذا أمر خطير أن أترك المصدر الرئيسي للأخلاقيات، وهو الدين. مهما كانت هذه القيم محترمة ومتحضرة ومتفقة مع الفطرة السليمة والعقل السليم الا أنها لازالت تفتقر الى قوة التأييد الالهي وقوة القيم الروحانية التي يعجز عن الاتيان بها البشر. ويصبح اعتراض الأهل هناك على تعرض اطفالهم لمظاهر غير مناسبة لسنهم هو أمر مدني أو قانوني أو تربوي أو حقوقي بغض النظر عن تأثيرة الروحاني السلبي على المجتمع ككل.”
معلش .. مش متفق فى الجزء إللى فات ده كله ،
عظيم أحترامى وتقديرى،