بعد شهرين بالتمام والكمال من معرفتنا ان ولي العهد ولد، وبعد التخلص من كل ملابس الأطفال البناتي وأي شيئ لونه بمبي، وبعد شراء ملابس كحلي وخضرا وبني كئيبة مبيعملوش غيرها للصبيان، وبعد ان قدحنا زناد فكرنا عشان نلاقي اسم جميل، وبعد ما تقبلت فكرة ان ابني هيكرهني لأني مبحبش الكورة… في زيارة دورية للدكتور ارتبك وقال: “مع اني مغلتطش في معرفة جنس الجنين لمدة 8 سنين الا اني غلطت المرة دي. دا بنت مش ولد.”
توفيرا للشرح العلمي المطول الدكتور اعتقد خطأ ان الحبل السري حاجة تانية. وبهذا الاكتشاف بدأنا رحلة العودة للوراء في كل ما اتخذناه من خطوات اتجاه استقبال الولد. عدا طبعا استرداد الملابس القديمة. معقول في لحظة كل شيئ يتقلب ويبقى حاجة تانية؟ عموما انا باحب البنات أكتر ولم يزعجني ابدا الحصول على بنتين من قبل. لكن الواحد كان اتعود على فكرة الولد واقنع نفسه بيها خلاص.
ولكن هذه ليست المفاجأة الوحيدة والتغيير الوحيد في ولادة “ليلي” (على وزن يا ليلي يا عيني، وليلي نهاري). كان الاستعداد قائم لخوض حرب ضروس في أروقة مصلحة الاحوال المدنية لاستخراج شهادة الميلاد. وكان احساسي الأكيد ان سابقة اختها “فريدة” ستكون مساعدة جيدة. ولمن لا يعرف ففريدة هي البهائية الوحيدة التي تم استخراج شهادة ميلاد لها مميكنة (يعني بالكمبيوتر) دون أي ذكر لديانة الأب أو الأم. يعني تم حذف خانة الديانة تماما من الشهادة. ولهذا قصة.
طبعا عند ولادة فريدة تم رفض اصدار الشهادة بأي شكل الا بعد اجباري على تدوين ديانة من الديانات الثلاثة. حتى تركها بدون وكتابة خط كبير لم يكن مسموحا. ولأن المدام أمريكية الجنسية فلقد اتخذنا اجراءات استخراج جواز السفر الأمريكي وتغاضت السفارة عن مستند أساسي وهو شهادة الميلاد واكتفت باخطار الولادة من المستشفى. ده بعد ما اعتنقت تماما من استحالة استخراج الشهادة وبعد عذاب 10 شهور.
لكن المفاجأة كانت في أن فريدة لا تستطيع مغادرة مصر دون ختم من الجوازات يثبت انها ولدت في مصر. وهذا الختم يحتاج الى …؟ مظبوط… شهادة ميلاد. ولكن الجوازات المصرية كانت أقل تفهما من السفارة الأمريكية واصرت على الشهادة. وبذلك أصبح الوضع منع مواطنة أمريكية من السفر دون وجه حق. واستدعى الأمر التدخل الرسمي للسفارة لدى وزارة الداخلية. وبالفعل تم صدور قرار باستثناء هذه الشهادة فقط من الشروط الخاصة بخانة الديانة واستخراجها بخط مكان البيان.وبعد عذاب 4 شهور اضافية تم استخارج شهادة الكمبيوتر والتي تم تغيير برنامج الكمبيوتر مخصوص لطباعتها دون خانة ديانة.

كنت أتوقع ضياع كل هذا الوقت والمجهود مرة ثانية مع ليلي. ولكن عند استخراجي الشهادة هذه المرة اكتشفت وجود قرار رسمي من مصلحة الأحوال المدنية الى مكاتب الصحة ينص على انه في حالة أن أي من الوالدين أجنبيا ويرغب في تسجيل الديانة ببيان غير الثلاثة المسموح بها يكتب مكان الديانة خمس شرط. القرار ينص على “خمس شرط”. هذا ما أكده علي موظف الصحة بشكل كوميدي “لا يا أستاذ مش شرطة. خمس شرط. القرار مكتوب فيه خمس شرط”. وبذلك تم استخراج شهادة ميلاد ليلي بشكل طبيعي وأمام الديانة للأب والأم خمس شرط.

ماذا يعني مثل هذا القرار؟ يعني العديد من علامات الاستفهام والاستنكار.كيف تسمح مصلحة الأحوال المدنية لغير المصريين بمثل هذا الاجراء بينما تصر على عدم السماح به لأبناء مصر؟ ان في هذا تمييز واضح ضد المصريين وتقييد لحريتهم في اختيار معتقداتهم. هل المطلوب من المصريين البهائيين الآن أن يتجنسوا بجنسيات أخرى ليصبحوا أجانب ويكون هذا هو الحل الوحيد للحصول على حقهم في بلدهم؟ اذا كانت الدولة تقر بأن من حق الأجنبي اختيار ما يريد من ديانات دون التمسك بفكرة الديانات السماوية الثلاثة فأبناء مصر أولى بهذا الحق. لقد فقدت فكرة عدم الاعتراف بغير ثلاث أديان مصداقيتها وجديتها بوجود مثل هذا القرار العجيب. اما ان يكون عدم الاعتراف ساريا على الجميع أو يكون السماح ساريا للجميع لأن هذا يهدم المبدأ من الأساس. أم هل تخشى الحكومة مواجهة سفارات الدول الاجنبية في حالة التعنت لتسجيل ديانات أخرى؟ فالعالم كما نعلم يعتنق اكثر من نصفه ديانات غير الديانات الثلاثة. أعتقد ان هذا القرار جاء لاخفاء المشكلة عن سفارات الدول الاجنبية. لقد كان استثناء فريدة محل انتقاد لمصلحة الأحوال المدنية وأصبح الآن هذا الاستثناء والتمييز ضد المصريين من حكومتهم قرارا رسميا!
أمام المصريين حل من اثنين اذا ارادوا التمتع بحق أساسي من حقوقهم وهو حرية الاعتقاد: اما ان يعيشوا دون أي حقوق مدنية كأن ليس لهم وجود وإما ان يتبرأوا من جنسيتهم المصرية.
بقرار من مصلحة الأحوال المدنية: غير مسموح للمصريين سوى اعتناق واحد من الأديان الرسمية الثلاثة.
