فكرت كثيرا في هذه التدوينة. منذ أن بدأت المدونة ومنذ أن بدأت متابعة المؤتمرات التي يدعى اليها البهائيين للمشاركة وأنا متحير في ما سماه أحمد عزت “الإشكالية“. سميت مدونتي بهائي مصري دون تفكير عميق في الاسم. فهو بكل بساطة يعني لي انني بهائي من مصر. ولكن وجدت الكثيرين يأخذون الكلمتين وترتيبهما إلى مناطق أكثر تعقيدا.
فمثلا البهائيين أنفسهم بدأوا يشعرون بالحساسية من أن تسبق بهائي كلمة مصري. وسمعت منهم من يصر على ذكرها “مصري بهائي”. تأكيدا على أننا مصريين من لحظة ولادتنا بينما نصبح بهائيين بعد ذلك. بل وأصبح بعضهم يصححها لمذيع أو صحفي “لأ مش بهائي مصري… مصري بهائي”.
ويعترض آخرون على وجود كلمتين من الأساس. فشرقاوي مثلا قالها في الفيلم التسجيلي وكررها لي “مافيش حاجة اسمها بهائي مصري، في مصري وبس”. وطبعا كلامه منطقي في حدود ترتيب الكلمتين أو محاولة إيجاد علاقة ما بينهما في الأسبقية أو الأفضلية.
لكن المشكلة الأساسية هي أنه لا يوجد أي علاقة بأي شكل من الأشكال بين الصفتين أو الانتماءين. إذا حاولنا رسم دائرتين واحدة تمثل العقيدة والثانية تمثل الجنسية لن نستطيع وضع أي منهما بداخل الأخرى. ولن نستطيع حتى رسمهم بشكل يتقاطعان فيه في مساحة مشتركة. قد نجد صعوبة أصلا في رسمهم على نفس الورقة.
أنا مصري لأنني مولود لأب وأم مصريان. يفرض هذا الواقع علي أن التزم بالواجبات التي يلتزم بها المصريون من احترام القوانين وأداء الخدمة العسكرية ودفع الضرائب. وفي نفس الوقت يحق لي التمتع بكل ما يتمتع به من يحمل الجنسية المصرية من حق في التعليم والعلاج والاقامة بمصر.
أنا بهائي لأن هذا هو ما اخترت ان اعتقد. لقد اطمأننت ان البهائية هي الدين الأنسب لهذا الزمان واسنرحت روحانيا لاتباعي له. وبكوني بهائي فأنا اتبع التشريعات البهائية واقوم بما هو مطلوب مني في كتابي المقدس.
في بعض الحالات القصوى يستطيع مجلس الوزراء طبقا للمادة 16 من قانون الجنسية سحب الجنسية المصرية من أي مصري. وبانتقال المصري للعيش في أي بلد آخر هو يحتفظ بجنسيته ويكون ضيفا في البلد الآخر أو يحصل على جنسية اضافية لا تتعارض أيضا مع جنسيته المصرية. البهائي أيضا اذا انتقل لأي مكان في العالم هو بهائي. ولأن الانتماء لعقيدة ما لا يصح ان يكون تحت تفتيش أي جهة ولا تحكمه قوانين محددة فهي مسألة ايمانية معنوية. فلا نستطيع سحب الايمان من قلب شخص او حرمانه منه وهو ليس متاحا للاكتساب بتصريح من أي جهة.
أين اوجه التداخل بين الانتماءين؟ لا يوجد. أين المساحة المتعارضة بينهما؟ لا يوجد.
بين البهائيين في العالم بالامكان تصنيفي كمصري. وبين المصريين بالامكان تصنيفي كبهائي. لكن لا يعتمد أي منهم على الآخر ولا يلغي أي منهم الآخر.
بحثت في اللغة العربية عن الطريقة التي استطيع بها وصف هذان الانتماءان دون إشكاليات فوجدت ضالتي في حرف العطف “واو”. عندما أقول “بهائي و مصري” فالترتيب لا يحمل أي معنى. فحرف العطف واو ينفي أي علاقة تقديم أو تأخير أو جزئية أو كلية لما قبلة وبعده. فهما حقيقتان في نفس الوقت دون أي ترتيب ومنفصلان دون اعتماد على الآخر. اذن فأنا بهائي و مصري وهي ايضا تساوي مصري و بهائي.
ما هي المشكلة إذن؟ ولماذا اختلطت الأمور؟
عندما تقرر الدولة منع كتابة ديانة الأشخاص في البطاقة الشخصية لأنها لا تتفق مع ما تقره الدولة للمصريين من ديانات تحدث الاشكالية. ويحدث هذا التعارض بين العقيدة والمواطنة. أصبح شرطا الآن على المصريين اتباع دين ما من الأديان التي اختارتها الدولة لتكون رسمية وشرعية. وعندما يقول البعض أن هذا ليس اجبارا فهو يجهل ابعاد المشكلة. فبدون الاذعان والاقرار بديانة تخالف ما تعتقده لن تستطيع الحصول أي اوراق رسمية ولن تستطيع ان تكون مواطنا مصريا.
كان لمختار العزيزي تعليق على اسم الفيلم التسجيلي “عقيدتي أم وطني” بأنه قد يفهم منه الشخص العابر أن هناك خيار بين الاثنين. في الحقيقة هذا هو ما اصبح عليه الوضع الآن بسبب التعنت الغير مفهوم من وزارة الداخلية المصرية. فانت ان اخترت ان تكون بهائيا لا تستطيع ان تكون مصريا. واذا اردت ان تكون مصريا لا تستطيع ابدا اختيار ان تكون بهائيا. وضع مختل ولكن حقيقي.
هذا الوضع ليس من صنع البهائيين وليس من اختيارهم. ولكن مع ذلك سمعت اللوم من البعض على اثارة المشكلة تحت هذا المسمى “عقيدتي أم وطني” معتقدين اننا نصبنا الاختيار بين الاثنين بانفسنا. مع ان كل ما نريده هو ان نكون بهائيين… ومصريين.
بالصدفة اكتشفت ان هذا هو عنوان الفيلم التسجيلي الجديد الذي ينتهي العمل بمونتاجه هذه الأيام ووجدت العنوان متسقا تماما مع الفكرة التي كانت تراودني. لذلك اختتم التدوينة ببعض المشاهد من الفيلم.

حضرة بهائي المصري
عندما أرى أمثالك أقول في نفسي الحمد لله وشكر لله ولا إله إلى الله محمد رسول الله خاتم الأنبياء و المرسلين
بخصوص ميرزا حسين علي نوريه الدي في صورة ما دليلك على أنه إلها أو رسولا !?
الله يهدكم الله يهدكم الله يهدكم .