ثمان سنوات كاملة انتظرتها دون أن أعرف انها ستطول الى عشر. حتى أنني فقدت الأمل في حصولي على حق التحليق خارج جدران الوطن. ولكن أخيرا استطعت الحصول على جواز سفر.
عشر سنين علشان تطلع بازابورت؟ ده بيطلع في نفس اليوم.
سؤال وجيه. لكن ده صحيح فقط للمواطن المصري الذي يتمتع بأدنى حقوق المواطنة. أما المصريين الذين يؤمنون بالبهائية فلهم دائما وضع خاص لأن الدولة حتى الآن لا تريد الاعتراف بهم كمواطنين مصريين. وأنا واحد منهم. وقصتي مثل العديد من القصص الأخرى هي مثال على المدى الذي من الممكن أن تصل اليه المشاكل والعراقيل بسبب غياب الأوراق الثبوتية. فعندما يفكر أي شخص في عدم وجود بطاقة شخصية لا يخطر على باله تأثير هذا الوضع الذي يشبه قطع الدومينو المتراصة بجانب بعضها البعض. واحدة منها كفيلة بالايقاع بهم كلهم.
تخرجت من الجامعة سنة 1997. وبدأت استعد لاثبات اعفائي من التجنيد لأنني الإبن الوحيد لأمي المطلقة. وكانت أول المشاكل. والدي حاول يستخرج كشف عائلة لكنهم طلبوا منه اشهار اسلامه لأن اسم والدتي اخره مسلم واسمه هو اخره مسيحي. ازاي مسلمة تتجوز مسيحي؟ وعبثا يحاول شرح انه ليس مسيحيا وزوجته ليست مسلمة وانما هما الاثنين بهائيين لكن الرد الأساسي هو “ماعندناش الكلام ده”.
محاولة اخرى دون استخدام كشف العائلة ولكن باستخدام اوراق الزواج والطلاق البهائية. لكن طبعا الأوراق غير معترف بها من الأساس. يعني لا أبويا وأمي في نظر الحكومة متجوزين ولا متطلقين. امال انا ابقى ايه؟ طبعا في وسط كل المهاترات دي ضاع ميعاد التقديم للجيش واصبحت غير قادر على اثبات الاعفاء اللي من حقي وغير قادر على حتى الالتحاق بالجيش. يكفي ان تذكر كلمة “تخلف عن التجنيد” لتبث الرعب في قلب أي شاب.
قررت اني اصبر لغاية ما اكمل التلاتين سنة واعمل محاكمة وادفع غرامة التهرب من التجنيد اللي انا مش متهرب منه! وخططت حياتي على هذا الأساس. اتجنب أي مشاكل حتى لا أدخل قسم بوليس. احاول السفر خارج القاهرة في اضيق الحدود، خاصة لمناطق القلق في سيناء، حتى لا يسألني أي ظابط “فين موقفك من التجنيد”. ولأن ربنا اداني شوية موهبة استطعت عن طريقها ان يكون لي عملي الخاص الذي لن يفصلني منه أحد بسبب عدم قدرتي على اثيات موقفي من التجنيد.
ومرت السنوات الثمانية وكأني محكوم عليا بالسجن دون أي ذنب ارتكبه. وخلالها باءت العديد من المحاولات والوسايط للحصول على الاعفاء بالفشل. واستسلمت تماما لهذا الوضع العجيب. هارب من التجنيد مع العلم ان ماليش تجنيد.
في سن الثلاثين بدأت اجراءات المحاكمة العسكرية لأكتشف الصدمة. أنا متهرب فقط من سنة 2003 لأن دفعتي في الجامعة حصلت كلها على تأجيل خمس سنوات. يعني كان ممكن اعمل اللي انا عايزه خلال الخمس سنين دول. طبعا كان من المستحيل ان أعرف ذلك دون أن اذهب للتجنيد بنفسي وأسأل “هو انا اخدت اعفا؟” وذلك غير ممكن لأني لم اتقدم باوراقي في الميعاد. لذلك تمت محاكمتي على أساس اني لم اسلم نفسي بعد انتهاء التأجيل. ومع اني شرحت للقاضي ظروف تهربي الغير حقيقي من التجنيد الا ان أي من الأوراق التي احملها من قسيمة زواج وأوراق طلاق ليس لها أي معنى قانوني لذلك دفعت الغرامة وأخدت شهادة الاعفاء.
كان ممكن تكون دي النهاية لكن على مين؟ ده فيلم هندي. رحت زي الشاطر اطلع باسبور بالبطاقة الورقية. ماينفعش لأن الاسم الرابع مقطوع. بعد شهرين في اروقة مصلحة الأحوال المدنية اكتشفت ان الحل الوحيد هو استخراج بطاقة رقم قومي. وبذلك نعود الى الثقب الأسود.
لم يكن أمامي سوى المجلس القومي لحقوق الانسان والذي ساعد شخص بهائي واحد قبلي في استخراج جواز سفر دون الحاجة الى تغيير الوظيفة في البطاقة الشخصية. والمجلس كان قد اقترح من قبل ان يساعد البهائيين في استخراج جوازات سفر كبديل للبطاقة الشخصية ولكن طبعا كان الرفض منطقي من البهائيين لأن هذا حل مؤقت ويضع مرة أخرى البهائيين في خانة خاصة بعيدة عن بقية المصريين. من الطبيعي ان يسري على المصريين جميعا نفس النظام وقبول هذا الوضع يعني قبول اننا لسنا ككل المصريين.
مرت اربعة شهور ولم يحصل المجلس على أي رد من وزارة الداخلية بخصوص الطلب الخاص بي. وعلمت منهم انه لم يحصل على أي ردود بخصوص العديد من الشكاوى والطلبات الأخرى الخاصة ببهائيين أيضا. وفقدت الأمل مرة أخرى. لكن بالصدفة سمعت من أحد اقربائي وكان تابعا لنفس القسم الذي اتبعه ان رئيس مكتب الجوازات تغير والشخص الجديد يعرف مشكلة البهائيين وهناك اجراء محدد يتبعه لاستخراج الجوازات. فذهبت بسرعة لأجد ان الموضوع اخيرا له حل. كان علي التقدم بشكل طبيعي وكتابة يهائي في استمارة الطلب (لا أفهم لماذا توجد هذه الخانة اذا كان الجواز نفسه لا يحتوي على هذه المعلومة) وبعد ذلك يرسل الطلب مع استعلام الى مصلحة الجوازات فيكون الرد عدم السماح بذلك وعلى اختيار اما تركها فارغة أو كتابة ديانة من الديانات الثلاثة. ثم يرسل الأوراق الى مباحث امن الدولة التي تستدعيني للاستعلام ثم املأ استمارة جديدة بها الخانة خالية ويتم تدبيس كل هذه الأوراق مع بعضها لأحصل على جواز السفر بعد ان يكون مر ثلاثة اسابيع على تقديم اول استمارة.
بعدها بحوالي اسبوعين كلمني المجلس القومي لحقوق الانسان بخصوص الشكوى وان جاء رد من وزارة الداخلية بالتقدم لاستخارج جواز السفر. فقلت لهم “انتو لسه فاكرين؟”
يعني أنا في مصر ليس ممنوعا عني حرية العقيدة فقط بل كان أيضا الحق في الحركة والسفر خارج البلاد وهو أحد حقوق الانسان. واذا دققنا النظر في توابع وضع البهائيين في مصر سنجد أن العديد من حقوق الانسان الأخرى يتم حرماننا منها بالتبعية.
بعد حصولي على حريتي قمت بالسفر الى ثلاث بلاد في أقل من شهرين عشان آخد بتاري من سنين الحبس. رحلتي عمل الى قطر ودبي ورحلة الى تنزانيا عشان اتجوز مراتي تاني بعد ست سنين جواز وتلات بنات! ولهذا تدوينة أخرى.

كفارة !