تم لقاء بيني وبين الشيخ مختار الدسوقي شيخ الطريقة الدسوقية. وكاد هذا اللقاء ان يجعلني اشك في ما اعرفه عن الصوفية لولا اعادة قراءتي لبعض كتابات محي الدين ابن عربي واطمئناني ان الصوفية شيئ وما نراه اليوم من عبث باسمها شيئ آخر. ووجد هذا اللقاء طريقه الى جريدة الفجر باسلوب يعرض الموضوع من وجهة نظر الشيخ مختار فقط دون الرجوع الي للتحقق او سؤالي رأيي.
فما كان مني الا ان ارسلت بردي للجريدة وتم نشره بالفعل. وكان كالآتي (قبل اختصاره من قبل الجريدة لطوله):
الأستاذ الفاضل عادل حمودة رئيس تحرير جريدة الفجر
اسمح لي بتحيتك أولا تحيتين. التحية الأولى من قارئ متابع للفجر منذ صدورها وحتى اليوم. قارئ منحاز لكل القيم التي تظهر من خلال كتابات كل المشاركين في هذا العمل الأسبوعي المبدع. والتحية الثانية من شاب بهائي لمس في تغطيتكم لمشاكل البهائيين في مصر الانصاف والتعقل. ولمس في تناولكم للدين البهائي اختلافا كبيرا. حيث كنتم الوحيدون الذين نشرتم عن مشرق أذكار نيو دلهي بعد زيارتكم له وقمتم بشجاعة وانصاف بنشر النص الكامل للكتاب الأقدس أهم الكتب البهائية. وهذا أمر وان كان مختلفا عن السائد في الصحافة المصرية فهو متوقع من الأستاذ الكبير عادل حمودة.
اكتب إليكم بعد مطالعتي لموضوع “حوار بين شيخ صوفي وشاب بهائي” المنشور بالعدد 160 بتاريخ 7-7-2008 نظرا لأن الشاب البهائي المذكور في هذا الموضوع هو شخصي المتواضع. لقد كان الموضوع على قدر كبير من محاولة نقل الواقعة كما حدثت ولكن للأسف شابه سوء فهم أدى الى تشويه الحقيقة بشكل مجمل. ولعلي لاحظت ان سلطة الثقة فى الشيخ جعلت قيمة الوفاء والعهد له اعلى من قيمة بل وفضيلة الانصاف وتحري الحقيقة حيث لم يكن جنابكم حاضرا لهذا اللقاء وكتبت ما كتبت سمعا. لقد تعلمنا منك وانت الصحفى الكبير انه يوجد فرق بين الرأى والخبر فما كتبت هو رأى الشيخ دون الرجوع للطرف الآخر أو تحر للدقة والحقائق. لذلك اسمح لي بتوضيح بعض الأمور المتعلقة بهذا اللقاء.
أولا لا يسعى البهائيون لعقد أي نوع من أنواع المناظرات أو المجادلات مع رجال الأديان الأخرى لأن تعاليم البهائية تنهانا عن الجدال في الدين واتخاذه سببا للخلاف. وأي فرصة للحوار نحرص ان تكون على أساس الحوار فقط وليس الجدال أو محاولة اثبات خطأ طرف من الأطراف. فيتفضل حضرة بهاء الله: “قد منعتم عن النزاع والجدال فى كتاب الله العزيز العظيم * تمسّكوا بما تنتفع به انفسكم واهل العالم كذلك يأمركم مالك القدم الظاهر بالاسم الأعظم انّه هو الآمر الحكيم” ويتفضل أيضا: ” يا ابن التراب. الحقَّ اقولُ: اشد العباد غفلةً من يجادل فى القول ويبتغى التفوق على اخيه قُل يا ايها الاخوة باعمالكم تزينوا لا باقوالكم”
طلب مني أحد الأصدقاء التابعين للطريقة الدسوقية أن أقابل مرشده لأنه يود ان يعرف عن البهائية ويتحدث معي عنها. وبعد فترة وجيزة اخبرني أن الشيخ مختار الدسوقي عند علمه بهذا اللقاء طلب مقابلتي بنفسه (اتضح فيما بعد ان هذا لم يحدث وان الأمر لم يعدو مجرد سوء فهم من قبل الأشخاص الذين قاموا بترتيب اللقاء). وحدثني كثيرا عن شخص الشيخ مختار الكريم وسماحته وأخلاقه وحبه للاستماع بقلب كبير للآخرين الأمر الذي شوقني للقائه منتظرا أن اعرف فيم يريد مقابلتي. والأمر الآخر الذي جعلني أقوم بهذا اللقاء هو ما اعرفه عن الصوفية واقتراب تعاليم الصوفية الروحانية بشكل كبير من الكشف الروحاني الهائل الذي ظهر مع رسالة حضرة بهاء الله. مما جعلني أتصور أن اللقاء مهما كان سببه لن يكون جدالا بل سيسوده الاتفاق والمودة.
وكم كنت أود ان يتحقق تصوري ولكن شاءت الأقدار ان يخيب ظني. فلقد بدأ الحوار برفض وانتقاد للبهائية باستخدام معلومات دارجة يتداولها عامة الناس عن دون فهم وتكرار لكل التفسيرات والمفاهيم الخاطئة التي نسمعها ليل نهار ضد البهائية فأخذ الحوار طريقا مختلفا عن ما كنت اتصوره واتوقعه من الشيخ الجليل مختار الدسوقي. حيث استعصى عليه ان يستمع الى ما اقوله عن البهائية دون تحفز وتفنيد وهجوم ورفض مسبق.
وجدتني أمام اتهامات من نوعية أن البهائية اتت بتخفيض في الأحكام لتجذب الناس اليها وأن حضرة بهاء الله ألف دينا جديدا على غرار الاسلام ومنشقا به عن الاسلام. وهي اتهامات ان توقعناها من أشخاص عاديين ليس لديهم العلم والمنطق الكافيان لتحليل الأمور يصعب علينا توقعها من شيخ جليل في مقام الشيخ مختار. فإذا كان الناس قد اتبعوا البهائية لأنها اسهل في احكامها فماذا دفع آلاف المؤمنين الأوائل للتعرض للقتل والتعذيب في ايران عند ظهور البهائية تمسكا بدينهم “الأسهل”؟ الم يكن من الأولى لهذه الآلاف من المؤمنين الذين اختاروا السهل ان يختاروا ما لن يضعهم تحت طائلة كل هذا العذاب والقتل؟ واذا كان انتشار الأديان منوط بالتسهيل في العبادات ما الذي جعل المسلمين الاوائل يختارون الاسلام الذي يضع القيود على العديد من انشتطهم التي كانوا يمارسونها بحرية؟ كان هذا هو ردي على كلمات الشيخ مختار والذي لم يجد طريقا للنشر في سياق موضوعكم.
ان مقارنة الدين البهائي بالاسلام وكأنه أتى لتغييره هي مقارنة غير موضوعية. فالدين البهائي دين مستقل له شرائعه واحكامه المختلفة عن الاسلام ولم يتدخل يوما في تغيير أي شيئ في الدين الاسلامي وهو بعيد كل البعد عن الخلط بين شعائر الاسلام والبهائية. والكتاب الأقدس ليس محاولة لتقليد القرآن بل هو وحي الهي جديد. ليس من العقل ان نعقد مقارنة بين عدد الصلوات وطريقة الصوم واتجاه القبلة بين شريعتين مستقلتين.
لم أذكر في حواري مع الشيخ مختار ما يوحي بأن حضرة بهاء الله هو آخر المرسلين. بل أكدت ان الوحي الالهي لن يتنهي كما نؤمن في البهائية وبأن البشرية دوما في حاجة الى تعاليم الهية جديدة تتناسب مع ما تصل اليه من تقدم اجتماعي وروحاني. وان التشريعات الالهية تأتي بما يتناسب مع زمن نزولها ولا يوجد ما يسمى بتشريع يستمر الى الأبد حتى التشريع البهائي الذي حدد حضرة بهاء الله زمنه بألف عام. هذا غير مذكور في سياق المنشور في جريدتكم وكان يجب توضيحه لأن عنوان الموضوع نفسه ينقل كلاما عن لساني لم اقوله.
لقد أفرد الشيخ مختار مساحة واسعة في حديثه عن ختم النبوة وتمسك بهذه النقطة طوال فترة اللقاء مما أضر بالحوار بشكل عام. ولكم تمسك اصحاب الرسالات السابقة على الاسلام بما هو مذكور في كتبهم المقدسة والذي اذا تم تفسيره بشكل سطحي لنفى فكرة ظهور أي دين لاحق.
لازلت اؤكد امتناني لحسن استضافة الشيخ مختار لي ولزوجتي خلال اللقاء الذي كنت اتمنى ان يصل الى مستوى توقعاتي. ففي طريقي لهذا اللقاء استحضرتُ ما اعرفه عن الصوفية بينى وبين نفسى ما جعلنى فى حالة من السرور الروحى لأنى ذاهب للقاء نفس صوفية ممتلئه حب ودينها وعقيدتها حب يتسع لكل الاديان والعقائد كما قال شيخ الصوفية الاكبر الشيخ محى الدين ابن عربى فى ديوانه ترجمان الاشواق:
لقد صار قلبى قابلا كل صورة ** فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لاوثان وكعبة طائف ** والواح توراةومصحف قرآن
ادين بدين الحب انى توجهت ** ركائبه فالحب دينى وايمانى
ومن الشهيد العاشق والعارف ابو المغيث الحسين بن منصور الحلاج بيت شعر يبين وحدة الحقيقة الدينية مع تعدد شعبها
تفكرتُ فى الاديان جِدِّ محقق ** فألفيتها اصلا له شعبُُُ جما
هذا مما جادت به معرفتي المتواضعة عن التصوف ولكن لما تم لقاء الشيخ الجليل وجدتُ نسخة اخرى من الصوفية. نسخة تفتقرالى علم الاخلاق الصوفى وحكمة وبصيرة الصوفي الروحية وسعة القلب الذى يحتوى كل اشكال الاعتقاد لان الاصل الوجودى لها واحد.
أرجو ان يقبل الشيخ اعتذاري اذا كان بدر مني ما بدا له انه انتشاء أو محاولة لوضعه في أي حرج كما يذكر الموضوع المنشور. وان كنت وجدت في كلمات الشيخ الجليل بعض من التعالي والاستخفاف واستخدام اسلوب دارج مثل “الحلاق وصبي الحلاق” في مناقشة امور روحانية تتطلب قدرا اكبر من الحرص في اختيار ادوات الحوار ولكن على الأقل انتهى اللقاء بمودة واحترام على المستوى الشخصي تجعلنا نتخطى الاختلاف في الرأي.
واخيرا مبروك رجوع لحظة نور التي افتقدناها.
تحية حارة من القلب
شادي سمير


اعجبنى عنوان المقال وارد الهادئ الخالى من التعصب … وارى عزيزى انه ليس فقط ماقرأناه على لسان الشيخ الصوفى موقفا” جديدا” للصوفية بل نرى ايضا” اليوم موقفا” جديدا” لمسلمين جدد رافضين للتعددية …كارهين لكل ماهو مختلفا” عما يعتقدون …ناظرين الى الآخر نظرة الكفر …
فيبدو ان هذه هى سمة المجتمعات الشرقية فى هذا الآونة!!! والتى مع الأسف ابعد ماتكون عن روح السماحة فى الأديان جميعا” والتى اعتقد ان اصلها واحد …ففعلا دين الله واحد…