كل واحد سافر بره مصر كان ليه التعليق ده. ان الهوا بره مصر نظيف والواحد بيحس انه بيتنفس لأول مرة في حياته. مش عايزة كلام كتير ان هواء القاهرة خارج المنافسة من ناحية التلوث. لكن بالنسبة لي موضوع الهوا ده ماكنش من الحاجات التي بتشغلني كتير لما اخيرا سافرت بره مصر. يمكن لأني متعود على التلوث والهوا النظيف جدا بيسبب لي سعال (حقيقة مش تهريج) أو يمكن لأن اكتر ريحة مابحبهاش هيه ريحة النجيلة المقصوصة طازه. المهم ان آخر شيئ بالاحظه بره مصر هو الهوا النظيف.
خنقتي في مصر ليس لها اي علاقة بالجهاز التنفسي. ولكن لها علاقة وثيقة بالجهاز العصبي والاخلاقي. وكان اللي بيجذبني في أماكن تانية قليلة رحتها هو اني وسط عادات مختلفة عن اللي احنا انحدرنا له. بعد رحلتي الى أمريكا للمرة الاولى في حياتي انشغلت بالموضوع ده وحبيت اكتب عن بعض التجارب اللي اثرت فيا خارج مصر.
من سنة زرت تنزانيا حيث يستقر حمايا وحماتي الامريكان في مدينة ايرينجا وحيث قضت زوجتي الامريكية برضه معظم سنوات عمرها. وكان اول شيئ عملناه بعد نزولنا من المطار اننا اتجهنا الى المركز البهائي في دار السلام (العاصمة) لأن كان هناك ناس كتير من كل مكان في تنزانيا بيحضروا بعض الفعاليات السنوية. اتخضيت لما شفت في الشوارع لافتات تشير الى الطريق للمركز البهائي. دي حاجة انا مش واخد عليها بعد ما اجبرنا في مصر من الستينات على الشعور باننا جماعة سرية. وشعرت ببعض الاحراج وانا باصور الباب الحديد المؤدي الى المركز البهائي واللي كان عليه نجمة تساعية تحتتضن كرة ارضية لأني حسيت عيون الناس بستغرب حماسي الزائد لحاجة عادية.
وسط تجمع الناس الكبير ده بدأ بعض الناس يرحبوا بي لما عرفوا انا مين. وطلبوا مني اقول كلمة. معرفتش اقول ايه غير “انا عندي 32 سنة واتولدت بهائي. ودي أول مرة في حياتي ادخل مركز بهائي منذ ولادتي”. يمكن كنت حاسس قوي الجملة دي علشان كده الناس حسوها معايا وسقفوا ليها.
بعد رحلة تنزانيا على طول كان عندي رحلة عمل لفرانكفورت. وفرانكفورت فيها واحد من سبع مشارق اذكار في العالم. وكنت متحمس جدا للزيارة دي لأن ده هيكون أول مشرق اذكار ازوره في حياتي واذا كان شعوري في اول مركز بهائي كان بهذه الروعة فانا اكيد هاكون طاير في مشرق الاذكار.
في فرانكفورت اتأكد لي شيئ كنت بسمعه من بهائيين كتير سافروا بره مصر او بهائيين بيزوروها. ان مفيش بهائي في الدنيا مالوش عيلة واصدقاء في كل بلد في العالم. وفعلا بعد ما خلصت شغلي اتصلت باصدقاء بهائيين وكنت في ثواني وسط عشرين صديق وكأني اعرفهم من سنين. يمكن الظاهرة دي تختفي تدريجيا مع ازدياد عدد البهائيين في العالم لكن خلينا ننبسط بيها وهي موجودة.
كنت خصصت يوم لزيارة مشرق الاذكار يكون فيه برنامج محدد. وفعلا بعد رحلة نصف ساعة خارج فرانكفورت وصلت الى مشرق الاذكار وقت اقامة جلسة للدعاء. ومشرق الاذكار بيفتح ابوابه لاصحاب جميع الديانات وكل من يرغب في الصلاة والتأمل. ويوجد بعض الاوقات يقيم فيها البهائيون برنامج للدعاء ايضا مسموح الحضور فيه لأي شخص.
زيارتي لمشرق اذكار فرانكفورت كانت مشحونة بتوقعات مسبقة. يمكن ده يفسر اللي حصل لي. لما وصلت مشيت في الطريق الطويل من الباب الرئيسي الى مبنى مشرق الاذكار وحدي تماما احاول استجماع مشاعر التأمل والسكينة والخشوع ولكن للأسف دون جدوى. وكنت كل ما اقترب اكثر من المبنى دون الشعور بشيئ كل ما اشعر بالارتباك وعدم القدرة على استلهام اي مشاعر تأمل. دخلت المبنى وانا ابتسم لمن حولي في سكوت وحاولت اني اغمض عيني واركز في حقيقة اني داخل اول مشرق اذكار لي في حياتي. فشلت. قرأت في سري ادعية كثيرة لمصر وللبهائيين في مصر. منهم احب دعاء الى قلبي واللي كانت والدتي دايما تقراه قبل النوم واحنا صغيرين “ربنا وملاذنا ازل كروبنا ببزوغ شمس وعدك الكريم”. حسيت ببعض الاطمئنان ولكن لم اشعر بما توقتعه من “طيران” في هذه الزيارة.
مرت سنة وجاء الصيف ده بمهمة اول زيارة الى امريكا عند اخت مراتي. واتوقف شوية عند جزء هام خاص بهذه الزيارة. الفلكور التعليمي والتليفزيوني اللي اعتدناه في مصر زرع فينا كذبة كبيرة ان الناس في الغرب معندهاش مشاعر وانك لو وقعت في الارض ماسك بطنك محدش هيسأل فيك. عكس مصر وحلاوة مصر وشهامة ولاد مصر وجدعنة شوارع مصر. واكتر شيئ كنت حاسس بيه في مدينة منيابوليس في منيسوتا هو قد ايه احنا انضحك علينا بالكلام ده لدرجة اننا صدقناه وقررنا ان مفيش احسن من كده. كل حاجة مش فينا من ادب وذوق واخلاق وكياسة ومشاعر مغرقة الدنيا موجود هناك من اصغر طفل الى اكبر عجوز بعكازات. انا الوحيد اللي كنت انسان الغاب بحركات جسمي الهجومية اللي اعتدت عليها للتعامل مع انعدام الذوق المنتشر في بلدنا.
لأن الرحلة كانت يادوب على قد ميزانية محددة لم يكن في حسباني ان يكون فيه اي مخطط للتحرك خارج حدود منيسوتا. وخصوصا لزيارة مشرق اذكار ويلمت بجانب شيكاغو. لكن كان حظنا حلو وقدرنا ندبر رحلة بعربية ايجار بدل الطيران تستغرق سبع ساعات بس.
مشرق اذكار ويلمت هو الوحيد اللي اتربيت وانا حافظ صورته من البرواز الموجود في بيت جدتي. وكان بالنسبة لي ده هو ما يعني “مشرق اذكار” طول حياتي. ده قبل ما يحتل مشرق اذكار الهند هذه الصورة الذهنية المرتبطة بالكلمة دي في عقلي. ومن سنوات قليلة بس شفت ليه صور من قريب ولاحظت لأول مرة تفاصيل النقوش الموجودة على الأعمدة والبوابات.
اتحركنا من الفندق لمدة تلت ساعة ووصلنا لمكان فيه بيوت جميلة جدا. لم اكن اعرف ان المبني محاط بمنطقة سكنية وان في ناس بتصحى الصبح في وشها المبنى ده. لذلك فوجئت بطرف قبة المبنى من بعيد وسط المنطقة دي. بعد مشي استمر وقت طويل من مكان الانتظار الى المبنى لم اصدق اني اقف بالفعل على عتبات المكان الذي عرفته طوال حياتي دون ان ازوره مرة. وكل قلقي من تكرار تجربة فرانكفورت تلاشى مع لمسي للنقوش الموجودة عى احد العواميد على
يمين المدخل الرئيسي.
عل باب القاعة الرئيسية يوجد حائط مليئ بالكتيبات بأكثر من 50 لغة حسب العدد اللي لاحظته. وكانت كل الكتيبات مذيلة بجملة بسيطة تقول “لا تقبل التبرعات من أي جهة سوى من البهائيين فقط”. وقلت في عقل بالي فين الناس تيجي تشوف بخمسن لغة ان محدش بيمول البهائيين غير البهائيين.
دخلت في القاعة الرئيسية التي كان يغلفها صمت جعلني اتخيل اني اسمع دقات قلوب كل من حولي. وصلت الى مكان في منتصف القاعة واغمضت عيني وبدأت في قراءة كل ما احفظه من ادعية وانا افكر في شيئ واحد فقط. مشكلة بنات اختي مع مدرستهم اللي كانت وقتها لم تحل بعد. وكان كل طلبي من كل دعواتي انها تتحل. ويمكن تكون دي اول مرة في حياتي اشعر فيها باني خارج جسمي وقت الدعاء وماحستش بأي شيئ حولي الى ان لمست ايدي زوجتي وهمست في اذني تسألني اذا كنت قرأت ادعية لنور وهنا.
خرجت من القاعة الى خارج المبنى مرة تانية ووقفت عند آخر درجات السلم انظر الى نافورة مياه لون الماء بها ازرق صافي جدا وتقف بجانبها فريدة تنظر الى المياه المنسابة فوق بساط اخضر مبهج وشعرت بلون المبنى الابيض خلفي وكأنه يحتضنني. فأخذت نفس عميق ولاحظت ان الهواء نظيف جدا.








بجد ياشادى مقالة تحفة واحاسيس صادقة اما مشرق اذكار شيكاغو فكان اول مكان زرته فى حياتى وكان ذلك قبل مشاكل البهائيين وانا بالطائرة قالت لى المضيفة انظرى من الشباك سترى نقطة بيضاء وسط سندس اخضر ونظر ت ووجدت ماقالتة وشعرت بلهفة قلبى لرؤية المكان عن قريب وعندما وصلت الفندق وكان فى ساعة متاخرة فى منتصف الليل لم انتظر حتى الصباح لانه كان هناك احتفال بذكرى صعود حضره عبد البهاء وهو المبين لتعاليم حضرة بهاء الله والذى سوف نستقبله فى 29 نوفمبر القادم فى الساعة الاولى منه وعندما وصلت وكان المبنى مضاء بالكامل وسط حبيبات الثلوج على الاشجار المحيطة به كانها اللولؤ المنثور وبياض المبنى الرائع والاعمدة المزخرفة والمرسوم عليها رموز الديانات التسع الكبيرة فى العالم وبهرنى المكان الذى يلفه قدسية عجيبة بحيث انك لا تقدر ان تتحدث بصوت عال وتشعر ان الهدوء المغلف المكان لابد ان تحترمه وهذا المبنى الصامت يحكى عن وحدة وتكامل الجنس البشرى ولذا سعدت كثيرا هذا العام عندما علمت ان سكان ولاية شيكاغو قد اختاره احد عجائب الدنيا بالولاية هذا العام 2008 .
ومش عاوزة اقول لك ماذا حدث لى داخل هذا المكان لانى ناثرت بكيت كثيرا وانا اشاهد بجوارى من يجلس ويقرا القران الكريم ومن يقرا الانجيل ومن يقرا انجبل بوذا ومن يقرا التوارة …. الخ الكل يقرا فى صمت تام والكل يشعر بالروحانية ولا يتعدى احد على احد . احسست لاول مرة ماذا تعنى كلمة وحدة العالم الانسانى ونبذ جميع انواع التعصبات والتى نادى بها الدين البهائى….. مش عارفة اقول ايه والا ايه لقد حركت مقالتك مشاعرى شكرا لك