عندما أصابني عمى الأعراق

كنت اليوم ضيفا في أحد المدارس الدولية الموجودة في القاهرة. وهذه المدرسة بالتحديد تختلف عن بقية المدارس من هذا النوع في أنها تجمع أطيافا مختلفة من الجنسيات بين طلابها بشكل متوازن. عكس المدارس الدولية المعتادة التي تجتمع فيها الجنسيات الأمريكية والبريطانية والمصرية في الغالبية العظمى. هذا يؤدي الى اختلاف أيضا في نوعية الطلاب الدارسون فيها. فبدلا من طلاب من شريحة الأثرياء الذين ظلمهم وضعهم الاقتصادي “الجيد” بأن جعلهم في معزل اجتماعي عن بقية فئات المجتمع فإن هذه المدرسة تجمع جنسيات من بلاد بسيطة بطبعها مثل باكستان والهند وتانزانيا وتركيا والسودان والصين.

كانت المناسبة هي احتفال بيوم عالمي لمختلف البلاد التي يمثلها الطلاب يقدمون خلاله رقصات تعبر عن ثقافاتهم وعاداتهم ويكون لكل بلد مكان خاص لعرض منتجاتها اليدوية وتقديم الأكلات المحلية الخاصة بكل منها مجانا. وكنت محظوظا أن أتواجد هناك مع أحد المعلمين.

بما أني مصري ولم اعتد التواجد وسط كل هذا التنوع من البشر سوى في المتحف أو الأهرامات فلقد أصابني دوارا خفيفا من متابعة ما يحدث حولي بلغات مختلفة وأزياء متنوعة وموسيقى متلاحقة بين الأفريقي الراقص والهندي المميز. وفجأة حدث شيئ غريب. لوهلة، بدت لي أطول من وقتها الحقيقي، لم استطع التمييز بين كل هؤلاء الناس. عادة يدور حوار بداخل عقل كل انسان. وكان الحوار الذي يدور في عقلي قبل هذه اللحظة: “يا ترى الراجل ده هندي ولا باكستاني؟ ايه الفرق؟ البنت دي شكلها خليط من صيني ومصري. الناس اللي من السودان شكلهم برضه مختلف عن اللي من الكاميرون”. ولكن خلال تلك الوهلة التي أحدثكم عنها اذا نظرت لولد صغير لونه لون الشوكولاته كنت أفكر انه صيني. لم أستطع التفرقة بين الناس من حولي. لم أعد أرى سوى خليط من البشر امتزج ببعضه ليصنع كيانا متجانسا جميلا. ووجدتني أبذل مجهودا لأميز الجنسيات عن بعضها.

اعتقد أن الكلمات تأبى أن تسعفني لشرح هذا الشعور الغريب اللذيذ بعدم القدرة على التفرقة بين البشر. ولهذه الوهلة عرفت ما هو الشعور بأن يعيش الإنسان ما تنادي به التعاليم البهائية.

أفقت سريعا وخاصة أن الوقت قد حان لتجربة الأكلات الشعبية لكل بلدة. وأنا في الأكل، عكس ما أحاول مع البشر، “إنِف” جدا. لا أغامر بأي شيئ جديد. أحب الأطباق التي استطيع أن أتذوق طعمها في خيالي قبل أن آكلها بالفعل. ولا أحب أي شيئ يحتوي على مكونات لم أجربها من قبل أو تم اعداده بطريقة لم اعتدها من قبل. لذلك قررت أن اتوجه فورا الى الركن السوري الذي سوف يحتوي بالتأكيد على أصناف أعرفها. مظبوط… تبولة وسمبوسك وفراخ مقلية… أحمدك يا رب.  ولكن مع أول محاولة للتذوق أوقفتني السيدة المسؤولة عن الركن السوري “مش دلوقت. ال في أي بي الأول” وتقصد بالـ VIP بعض السفراء الذين كانوا يحضرون الحفل. أخص على الكسوف. طيب الركن المصري؟ نفس الكلام… أما بقية الدول فكانوا قد بدأوا بالفعل توزيع الأطعمة بسعادة بالغة على الجميع ويشرحون مم يتكون كل طبق وكيف يعدونه. وتعلمت أننا كعرب مازلنا نعطي أهمية للمناصب فوق الأهمية للإنسان وفوق الأهمية للبهجة. ملحوظة: ركن الكويت لم ينتظر الـ VIP.

Advertisements

3 comments on “عندما أصابني عمى الأعراق

  1. دعوة لرد الاعتبار للشعب المصري وشهدائه في الذكري الثلاثين لانتفاضة يناير 1977

  2. Bilo كتب:

    Interesting, several years ago I had the same experience in a dinning room on an Egyptian Nile boat. When I sat at a table by the window for breakfast, the young attendant came to me and said that these tables are for “aganeb” (foreigners). As I did not care to get into a useless argument, I got up and sat at a table in the center of the room. This incident bothered me however for the rest of the day as I did not think it was “appropriate,” and finally decided to speak to the ship’s captain just before lunchtime. The “Egyptian” captain appeared to be shocked to hear of the incident and commented on the issue of “inferiority complex” prevalent among many Egyptians. He apologized profusely and invited me to join him for lunch–at a table by the window. I was also later surprised to find out that the attendant in question was never to be seen on the ship again afterwards, which made me feel sorry for him since that attitude was really not his own doing, but rather inherited after years of oppression.

  3. karakib كتب:

    ثقافه قبول الأخر المختلف عننا التي تكاد تنعدم في مصر
    تحياتي
    انتوك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s