التدوينة دي مختلفة عن أي واحدة كتبتها قبل كده. منذ بداية المدونة وأنا مصمم انني ماكتبش في شيئ بعيد عن الهدف الأساسي وهو عرض أفكاري الشخصية وما يدور حولي كبهائي مصري. ابتعدت عن محاولة اثبات صحة الدين البهائي (لأني ببساطة مش محتاج اعمل ده) وركزت على تصحيح الأفكار الخاطئة الواردة عن البهائية في المدونات ووسائل الاعلام التقليدية.
طيب ايه الموضوع؟ الموضوع ببساطة اني عديت على يوتيوب لقيت فيديو للشيخ محمد حسان من قناة الناس بيتكلم فيه عن البهائية. الكلام كالعادة فيه من المعلومات الخاطئة والسب العلني وعدم الأمانة ما يكفي ملئ مجلدات في الرد عليه. لكن كل ما لفت نظري هو ان اسلوب الشيخ لا يختلف كثيرا عن اسلوب زكريا بطرس في قناة الحياة. فكتبت لصاحب الفيديو تعليق انه ميصحش يسلم عقله لشخص بيقول كلام مش صحيح وبا ترى ايه شعوره وهو بيتفرج على زكريا بطرس بيقول كلام غير صحيح عن دينه. قامت الدنيا ومقعدتش. ازاي وازاي اقول على الشيخ محمد حسان انه بيلفق ويكدب. ودخل الموضوع لدكتور مصطفى محمود واتنقل الى مدونة صاحب الفيديو.
وكان السؤال الملح من الدكتور صاحب المدونة هو ازاي احنا بنؤمن بصلب المسيح وبالقرآن في نفس الوقت مع ان القرآن بيقول صراحة ان المسيح لم يصلب. وكأن هذا هو محور تفنيد الدين البهائي. وبين المزيد من السباب من صاحب المدونة نفسه هذه المرة وبين الاسلوب الغير مهذب من زوار مدونته وبين محاولة التركيز على الموضوع الرئيسي عن تلفيق الشيخ محمد حسان لكلام غير صحيح وجدت انه لا مفر من الاجابة على السؤال.
بالطبع اسلوب المناظرات والمطاحنات الدينية الذي اسسه مختطفوا الاديان ليس من اساليب البهائية على الاطلاق. فنحن نؤمن تماما بصحة كل الأديان ووحدة مصدرها وأن هفها الرئيسي الوحدة والائتلاف وليس النزاع والخلاف. لذلك أتى ردي محددا جدا. وهذا هو…
أريد ان أوضح شيئ هام. هذه الاجابة التالية هي اجابة عن سؤال محدد: كيف يؤمن البهائيون بصلب المسيح وبالقرآن الذي نفى ذلك في نفس الوقت؟ ويذهب البعض الى اتهامنا بالكذب أو بغياب العقل. الاجابة التالية توضح مفهوم البهائية لصلب المسيح وللآية وكيف يتفق الاثنان دون كذب وباعتناق عقلي تام. قد يرفض من يرفض هذه المفاهيم ولكن انا لا احاول اقناع احد بصلب المسيح انا فقط اجيب عن: كيف نؤمن بما يظهران انهما متناقضين.
من الصعب الخوض مرة واحدة في هذه المسألة قبل توضيح يعض المفاهيم في البهائية عن الموت وعن حقيقة الرسل.
تبين لنا التعاليم البهائية الكثير من الاسرار عن طبيعة الروح ومعنى الموت. الروح تنشأ في العوالم الالهية المنزهة عن المادة. وتظهر الروح في العالم المادي بارتباطها بالجسد في لحظة تكوين الجنين. وهو ارتباط ليس فيه دخول او خروج مادي بل انعكاس على الجسد المادي الموجود في هذا العالم. ويستمر ارتباط الروح بالجسد الى لحظة الوفاة والتي فيها يرجع الجسد الى التراب بينما تنتقل الروح الى العالم الروحاني. كل منهما يرجع الى مبدئه. لا يصح أي وجود للجسد في عالم الروح لأنه ليس عالما ماديا. الجسد محدود بهذا العالم المادي الذي نعيشه ولا تحتاجه الروح بعد انفصالها عنه لأن صلتها بهذا العالم تنقطع.
ايضا تبين التعاليم البهائية ان الحقيقة الالهية والكلمة الالهية التي تظهر في الرسل هي حقيقة واحدة. وان كانت تظهر في عالمنا على مدار الزمن بعدة مظاهر. فهي مرة سيدنا موسى ومرة سيدنا عيسى ومرة سيدنا محمد. فالرسل في مرتبتهم البشرية المادية مختلفون (أشخاص مختلفون) ولكن الحقيقة المتجلية عليهم الظاهرة فيهم هي حقيقة واحدة.
يوضح حضرة عبد البهاء في كتاب “من مفاوضات عبد البهاء” ان للرسل ثلاث مراتب:
“أن لمظاهر الظّهور مراتب ثلاث، الأوّل الحقيقة الجسمانيّة الّتي تتعلّق بهذا الجسد، والثّاني الحقيقة الشّاخصة (أي مشخّصة) أي النّفس النّاطقة، والثّالث الظّهور الرّبّانيّ وهو الكمالات الإلهيّة وسبب حياة الوجود وتربية النّفوس وهداية الخلق ونورانيّة الإمكان.
فمقام الجسد مقام البشريّة وهو يتلاشى لأنّه تركيب عنصريّ وما يتركّب من العناصر لا بدّ من تحليله وتفريقه، أمّا الحقيقة الشّاخصة للمظاهر الرّحمانيّة فهي حقيقة مقدّسة، لأنّها من حيث الذّات والصّفات ممتازة عن جميع الأشياء، مثلاً إنّ الشّمس من حيث الاستعداد تقتضي الإنوار ولا تقاس بالأقمار، فالأجزاء المركّبة منها كرة الشّمس لا تقاس بالأجزاء المركّبة منها كرة القمر، وتلك الأجزاء وذلك التّركيب يقتضي ظهور الأشعّة، أمّا الأجزاء المركّب منها القمر فلا تقتضي الإشعاع بل تقتضي الاقتباس، وعلى هذا فسائر الحقائق الإنسانيّة هي نفوس كالقمر الّذي يقتبس الأنوار من الشّمس. أمّا تلك الحقيقة المقدّسة فهي مضيئة بنفسها.
والمقام الثّالث هو نفس الفيض الإلهيّ وجلوة جمال القديم وإشراق أنوارالحيّ القدير، وليس للحقيقة الشّاخصة للمظاهر المقدّسة انفكاك عن الفيوضات الإلهيّة والجلوة الرّبّانيّة، لهذا فصعود المظاهر المقدّسة عبارة عن تركهم هذا القالب العنصريّ، كالسّراج المتجلّي في هذه المشكاة ينقطع شعاعه منها عند تلاشيها، أمّا فيض السّراج فلا ينقطع، وبالاختصار فالفيض القديم في المظاهر المقدّسة بمثابة السّراج والحقيقة الشّاخصة بمثابة الزّجاج والهيكل البشريّ بمثابة المشكاة فلو تحطّمت المشكاة فالمصباح مضيء.
والمظاهر الإلهيّة هم مرايا متعدّدة لأنّهم ذوو شخصيّة مخصوصة، أمّا المتجلّي في هذه المرايا فهي شمس واحدة”
لذلك نحن نفهم جيدا ان صلب السيد المسيح لا يؤثر بأي شكل على هذه الحقيقة الالهية والروح المتجلية عليه. وعندما صلبه اليهود اعتقدوا انهم تخلصوا منه. وكان الظاهر لهم فقط حقيقته البشرية. بينما بهذا الصلب هم فقط تخلصوا من المظهر المادي الانساني أما الحقيقة الالهية وكلمة الله المسيح فهي لم تصلب ولم تقتل ولكنها رفعت الى الله.
بهذه المفاهيم يتسق معنى الآية لدينا مع حقيقة ان المسيح صلب جسديا بالفعل.
يوضح ايضا حضرة عبد البهاء في كتاب المفاوضات معنى قيامة المسيح المذكورة في الانجيل وهذا التوضيح يسري أيضا على رفع الله المسيح الى السماء جسديا كما هو تفسير الآية:
“السّؤال: ما معنى قيام المسيح بعد ثلاثة أيّام؟
الجواب: ليس قيام المظاهر الإلهيّة قياماً جسديّاً، فجميع شؤونهم وحالاتهم وأعمالهم وتأسيساتهم وتعاليمهم وتعبيرهم وتشبيههم وترتيبهم عبارة عن أمور روحيّة معنويّة لا تتعلّق بالجسمانيّات، مثلاً مسألة مجيء المسيح من السّماء هذه مصرّح بها في مواضع متعدّدة من الإنجيل حيث يقول جاء ابن الإنسان من السّماء وابن الإنسان في السّماء وسيذهب إلى السّماء وكما يقول في الأصحاح السّادس من إنجيل يوحنّا آية 38 “لأنّي قد نزلت من السّماء” وكذلك في الآية الثّانية والأربعين منه “وقالوا أليس هذا هو يسوع بن يوسف الذّي نحن عارفون بأبيه وأمّه فكيف يقول هذا إنّي نزلت من السّماء” وكذلك في إنجيل يوحنّا في الأصحاح الثّالث الآية الثّالثة عشرة يقول “وليس أحد صعد إلى السّماء إلاّ الذّي نزل من السّماء ابن الإنسان الذّي هو في السّماء” فلاحظوا أنّه يقول ابن الإنسان في السّماء والحال أنّ حضرته في ذلك الوقت كان على الأرض، وكذلك لاحظوا أنّه يقول صراحةً جاء المسيح من السّماء، والحال أنّه أتى من رحم مريم وتولّد جسم حضرته من العذراء، إذاً اتّضح أنّ المقصود من هذه العبارة التّي يقول فيها جاء ابن الإنسان من السّماء أمر معنويّ لا ظاهريّ، روحيّ لا جسمانيّ، يعني وإن كان حضرة المسيح تولّد من رحم مريم ظاهراً، ولكنّه في الحقيقة قد أتى من السّماء، مركز شمس الحقيقة، العالم الإلهيّ، الملكوت الرّحمانيّ.
وحيث اتّضح أنّ المسيح أتى من السّماء الرّوحيّة والملكوت الإلهيّ، فالمقصود إذاً من بقاء حضرته ثلاثة أيّام في القبر أيضاً أمر معنويّ لا ظاهريّ، وكذلك قيام حضرته من بطن الأرض أيضاً أمر معنويّ وكيفيّة روحانيّة لا جسمانيّة، وكذلك صعود المسيح أيضاً إلى السّماء أمر روحانيّ لا جسمانيّ، وفضلاً عن هذا البيان فقد ثبت وتحقّق علميّاً أنّ هذه السّماء الظّاهرة فضاء غير متناه و فراغ خلاء تسبح فيه النّجوم والكواكب التّي لا عداد لها، لهذا نقول أنّ قيام المسيح عبارة عن اضطّراب الحواريّين وحيرتهم بعد شهادة حضرته وقد خفيت واستترت حقيقة المسيح التّي هي عبارة عن التعاليم والفيوضات والكمالات والقوّة الرّوحانيّة المسيحيّة مدة يومين أو ثلاثة بعد استشهاد حضرته، ولم يكن لها جلوة ولا ظهور بل كانت في حكم المفقود، لأنّ المؤمنين كانوا أنفساً معدودة وكانوا أيضاً مضطربين حائرين، فبقي أمر حضرة روح الله كجسمٍ لا روح فيه، ولمّا رسخ حضرات الحوارييّن وثبتوا بعد ثلاثة أيّام وقاموا على خدمة أمر المسيح وصمّموا على ترويج التّعاليم الإلهيّة واجراء وصايا المسيح والقيام على خدمة المسيح، تجلّت لهم حقيقة المسيح فظهرت فيوضاته وسرت روح الحياة في شريعته وظهرت تعاليمه واتّضحت وصاياه، يعني أنّ أمر المسيح كان كجسم بلا روح فدخلته الحياة وأحاط به فيض روح القدس، هذا هو معنى قيام المسيح وقد كان قياماً حقيقيّاً، ولمّا لم يفهم القسس المعنى الإنجيليّ ولم يهتدوا إلى رمزه قالوا إنّ الدّين مخالف للعلم والعلم معارض للدّين، لأنّ من جملة هذه المسائل مسألة صعود حضرة المسيح بجسمه العنصريّ إلى هذه السّماء الظّاهرة، وذلك مخالف للعلوم الرّياضيّة. ولكن عندما تنكشف حقيقة هذه المسألة ويفسّر هذا الرّمز فإنّها لا تتعارض مع العلم بأيّ وجه من الوجوه بل العلم والعقل يصدّقانها ويؤيّدانها.”
بالاضافة الى ذلك فان رفع الله لسيدنا المسيح الى السماء جسديا لا يتفق مع حقيقة ان عالم الروح ليس مكانا لتواجد الاجساد المادية التي تنتمي الى العالم المادي الذي نعيشه. ولا حاجة لهذا الجسد المادي الفاني في عالم الروح. فلماذا يرفعه الله بجسده؟
مرة أخرى. هذه اجابة على سؤال “كيف نؤمن بصلب المسيح وبالقرآن في نفس الوقت” وليست محاولة لاقناع احد بصلب المسيح من عدمه.

ان ماشرحته يا اخي الفاضل لكافي لاولي اللباب شكرا لك
http://thelightway.wordpress.com/